تدور أحداث الحكاية في بلدة الفخاري، تقع هذه البلدة ضمن نفوذ محافظة خان يونس، يحدها من الشـرق الخط الأخضر، ومن الغرب مدينة خان يونس، ومن الشمـال بلدة عبسان الكبيرة، ومن الجنوب شارع صلاح الدين رقم (4) وبلـدية النصـر، وتبعد عن مطار ياسر عرفات الدولي 7كم إلى الشمال منه. علما بان المستشفى الأوروبي يقع ضمن نفـوذ البلـدية وكذلك مشاريع الإسكان الخاصة بمتضرري الانتفاضة التي نفذتها وكالة الغوث في المنطقة. تبلغ مساحة منطقة الفخاري9,936 دونم ومساحة نفوذ بلدية الفخاري 7082 دونم وعدد السكان 7,500 نسمة.
تعود منطقة الفخاري إلى العصر الروماني حيث كانت تشتهر المنطقة بصناعة الفخار وكان يوجد بها تل عالي من الفخار، ولذلك سميت بذلك نسبة إلى هذا التل الموجود في المنطقة. وأمام مكان التصنيع يوجد هرابات يتم تجميع المياه فيها لعجن الفخار ولكن بعد زيادة العمران في المنطقة تم تسوية هذا الفخار المكسور بسطح الأرض وهو موجود في أرض قليلة بسبب عوامل المناخ.
في هذه البلدة الهادئة والتي تشتهر بالزراعة، توجد جمعية الفخاري للتنمية الريفية، والتي احتضنت مجموعات برنامج الانجاز الشعبي لثلاث دورات متتالية كان آخرها مجموعة فرسان من أجل التغيير في الدورة السابعة. مجموعة من الشباب الثانويين وعددهم 13 شابا يدرسون بمدرسة محاذية تماما لحي الاسكان بجانب المستشفى الأوروبي، وكلية تمريض فلسطين، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي لمحافظة خان يونس. هؤلاء الشباب كانوا يعشقون قيادة الدرجات النارية، إضافة لميسرهم الشاب نزار خضر العمور الذي كان بالنسبة لهم قدوة ومحفزا على العطاء والالتزام بالعمل المدني الذي بدأوه معا من خلال برنامج الانجاز الشعبي.
تطور أداء المجموعة، وانتظمت لقاءاتهم بشكل ملحوظ انطلاقا من شهر فبراير 2010 بعد بداية متعثرة ومليئة بالمواقف الطريفة، وأصبحت المجموعة تتبادل الزيارات واللقاءات مع نظيراتها في محافظة خان يونس، تتعرف على التجارب المحيطة بها، وتنهل من معارف وممارسات البرنامج الايجابية في المجتمعات المحلية. ومع مرور الأيام وتسارعها، وجدت المجموعة نفسها امام استحقاق مهم، ألا وهو البدء في تحليل وتحديد احتياجات مجتمعهم – بلدة الفخاري – تمهيدا لتطوير قضيتهم وتصميم مشروع تدخل له. اجتهد الشباب البدوي الريفي في تحليلهم وخلصوا إلى قضيتين هامتين:
1- ارتفاع نسبة حوادث السير بين اوساط الشباب والناتجة عن الدراجات النارية في البلدة.
2- تأثير الروائح الكريهة والبعوض المنبعث من محطة معالجة مياه الصرف الصحي على بيئة التعليم في مدرستهم الملاصقة للمحطة في البلدة.
وبعد تطبيقهم لتحليل شجرة المشكلة للقضيتين استقروا على الخوض بتفاصيل القضية الثانية والمتعلقة بالمحطة. هذه المحطة تتبع لمحافظة وبلديات خان يونس بمساحة 60 دونم علماً بان بلـــدية خان يونس تعمل على توسعتها، فتم شراء 115 دونم والآن تحاول أن تشترى 120 دونم أخرى. علماً بأن سكان المنطقة يعانون من هذا المكب بشكل مباشر من الأضرار البيئية الناجمة منة كالبعوض، والرائحة الكريهة، والأمراض المسببة لسكان المنطقة وبخاصة الأطفال والنساء، وأيضاً لها تأثير مباشر على الزراعة.
بدأت المجموعة في تحليل القضية ومناقشة أسبابها ونتائجها التي ترتبت على استمرارها، وجدوا ان مفتاح الحل يكمن في إدارة المستشفى الأوروبي حيث أن المحطة تقع ضمن إدارتها الفنية والجغرافية. شكلوا لجنة منهم إضافة للميسر وتوجهوا إلى المستشفى في شهر ابريل 2010، انتظروا طويلا أن يسمح لهم بلقاء مدير المستشفى، لكنهم لم يتمكنوا، جوبهوا بأعذار طويلة ومبررات اطول، وفي النهاية قيل لهم إذهبو لوزير الصحة فليس بيدنا ما نقوم به.
عادت المجموعة تلملم أوراقها، جمعوا توقيعات من الأهالي والطلاب الذين يقطنون بجانب المحطة، مطالبين بانهاء معاناتهم مع عدم تشغيل المحطة بالشكل المطلوب وتكدس المياه غير المعالجة في البرك المخصصة. لكن مبادرتهم جوبهت بعدم اكتراث من المعنيين. لم ييأس الشباب، وذهبوا لاحتفالية عرض المشاكل التي تقيمها خدمات الكويكرز سنويا والتي احتضنتها جامعة فلسطين في شهر مايو 2010 لمجموعات الجنوب ومعهم حلمهم ومبادرتهم، عرضوا ما قاموا به من تحليل، كما عرضوا صورا للمحطة صوروها من فوق سطح المدرسة، بعد أن منعوا من دخولها للتصوير من قبل. نال عرضهم استحسان مجموعات البرنامج والميسرين والمنسقين والمؤسسات الشريكة والمواقع التي شاركت في الاحتفالية، لكنهم سمعوا اصوات تقلل من تدخلهم وان قضيتهم محكوم عليها بالفشل لتعقيدات الوضع السياسي في القطاع.
عاد الشباب لأقلامهم ودراجاتهم النارية والدفيئات الزراعية التي تشكل وتلخص حياتهم في بلدة الفخاري، قرروا أن لا يتوقفوا عن العمل، وان يختاروا قضية اخرى ومبادرة جديدة، دون أن تغيب عن مخيلاتهم قضيتهم ومبادرتهم الأساسية. اختاروا قضية مخاطر استخدام المبيدات الحشرية على المزارعين في الفخاري بدون اجراءات الوقاية. وقرروا تنفيذ توعية للمزارعين في الفخاري حول معايير السلامة أثناء عملية رش المحاصيل الزراعية والأوقات المناسبة لذلك. وأنجزوا من ذلك:
1. عقد ورشة أولى مع 30 مزارع من الفخاري لمدة ساعتين يوم الثلاثاء 13 يوليه 2010 في جمعية الفخاري للتنمية حول أساليب الرش من خلال وزارة الزراعة بخان يونس.
2. عقد ورشة ثانية مع 30 مزارع من الفخاري لمدة ساعتين يوم الأربعاء 14 يوليه 2010 في جمعية الفخاري للتنمية حول أساليب الري من خلال مجموعة الهيدرولوجيين بغزة.
3. عقد ورشة ثالثة مع 30 مزارع من الفخاري لمدة ساعتين يوم الأحد 18 يوليه 2010 في جمعية الفخاري للتنمية حول المبيدات الحشرية السامة من خلال وزارة الزراعة بخان يونس، بعد الورشة تم توزيع كمامات وقاية ووسائل رش للمزارعين مقدمة من جمعية الفخاري للتنمية الريفية.
لم تنتهي القصة، ولم تكتمل فصول الحكاية بعد، لم يتوقف أحمد العمور المشارك من المجموعة وزملاؤه عن التفكير بمشروعهم الأول، وانتظروا الفرصة حتى يعيدوا ابراز اهتمامهم بما أرادوا التاثير فيه ومحاولة تغييره، انتظروا وطال الانتظار، حتى جاءت فرصة جديدة.
في إطار زيارة قامت بها باتريشيا سيلك مديرة مكتب هيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية كويكرز في الشرق الأوسط لقطاع غزة في شهر ديسمبر 2010، زارت جمعية الفخاري للتنمية الريفية، والتقت بالمجموعة وميسرهم، وتبادلوا الحديث حول تجربتهم ومبادرتهم الزراعية، لكن تفاعلهم وحماسهم لم ينطلق إلا عندما وجدوا فرصة للحديث عن مشروعهم السابق وتجربتهم مع المستشفى، كانت باتريشيا تستمع بعمق وتطرح الأسئلة، تدون جملا وخطوطا طولية وعرضية، ومن ثم قالت: اممممممم، لا بد وأن أحدا ما سوف يهتم كثيرا لما قمتم به!!!
وكان هذا المهتم يتصل بنا في شهر يناير 2011 ويرغب في مقابلة هؤلاء الشباب وزيارة المحطة والاستماع للسكان، إنها الناشطة كارا منسقة مشروع E wash في الضفة الغربية والمهتمة بقضايا المياه والصرف الصحي بفلسطين. تم التنسيق وتم زيارة المحطة ولقاء المهندس المشغل السيد بنيامين ذو الثمانية والخمسين عاما، والذي يعمل بها منذ افتتاحها قبل أكثر من عشرة سنوات. كذلك مقابلة المدير الاداري للمشفى الأوروبي، تم التجول في المحطة والاستماع لشرح عن آليات عملها وتشغيلها وصيانتها، كانت الرائحة الكريهة هي سمة الأجواء، لكن البعوض في بيات شتوي مؤقت حكمت به الأقدار. تبين لنا جميعا بان المحطة تحتاج لصيانة فورية لبرك التجميع، وافراغ محتواها من المياه شبه المعالجة، وأن المعنيين بانتظار موافقة الصليب الأحمر الدولي على اجراء هذه الصيانة بعد أن قاموا بعملية اولى للتوربينات قبل أسابيع قليلة. كذلك هناك نقص ملحوظ في العمال والمشغليين في المحطة، وكما بدا لنا فإن الكثير يعزف عن العمل بها نظرا لطبيعة العمل الصعبة، والظروف غير الصحية المصاحبة لذلك.
ولكن كان لا بد من حلول، عرضت إدارة المستشفى الجديدة ان يتم ترشيح شابين من مجموعة الشباب أو من جمعية الفخاري لمساعدة العم بنيامين على أن يتم النظر في توفير استحقاقات لهم. وقوف السكان والمؤسسات والشباب والمعنيين معا سيساعد في الحد من الأضرار الصحية والبيئية لتوقف أو عدم انتظام عمل المحطة.
يمكن للحراك الشبابي ان يكون محاولة نحو التاثير في قضايا ملحة ومهمة في حياة الأمم والشعوب، وأن يصبح فيما بعد خطوات نحو التغيير الايجابي الذي نسعى دائما كبشر نحو تحقيقه، إن هذه المجموعة الشبابية وكثير آخر يعملون على تحقيق استدامة لعمل الشباب المدني، وعلينا دائما ان نمنحهم الفرص لان يكونوا مواطنين اليوم...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق